روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
28
عرائس البيان في حقائق القرآن
قال القاسم : أتصبرون عن نظر بعضكم إلى بعض كأنه أمر بالإعراض عما جعل في نظره فتنة ، ويدل عليه قوله : لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ « 1 » [ الحجر : 88 ] . وقال الحسين : كسا كل شيء كسوة فانية لا ينفك عنها إلا من عصمة اللّه ، وهو اضطرار في الأحوال لا اختبار في التلذذ بالشواهد والأعراض . وقال الواسطي : ما أوجد موجودا إلا لفتنة ، وما أفقد مفقود إلا لفتنة ، قال اللّه : وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً . [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 23 إلى 27 ] وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً ( 23 ) أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً ( 24 ) وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً ( 25 ) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً ( 26 ) وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً ( 27 ) قوله تعالى : وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً ( 23 ) أخبر سبحانه عن العمال ، وأعمالهم التي عملوها بالرياء والسمعة ، واستحسانهم ذلك من قصور نظرهم عن إدراك تنزيه ساحة كبرياء الحق الذي بوجوده مستغنى عن الكون وأهله ؛ فلما استكثروها صارت هباء منثورا برياح الشرك والرياء أين هم من خوالص عبودية العارفين حتى تفنى عند ظهور عظمته وجلاله ؛ فرفعها الحق عن أعينهم ، وبقي في عيونهم أنوار عزته وجلال عظمته . قال ابن عطاء : أطلعناهم على أعمالهم ؛ فطالعوها بعين الرضا فسقطوا عن أعيننا بذلك ، وجعلنا أعمالهم هباء منثورا . ثم أخبر سبحانه عن مقامات المخلصين في طاعته في جوار جلاله بقول اللّه تعالى : أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا يعني أصحاب جنان المشاهدة في مستقر الوصلة ، ومقيل المداناة في ظلال الجمال والجلال أبدا بلا تحويل ولا تبديل . قال بعضهم : في دار القرار على ميعاد لقاء الجبار من غير خوف ولا زوال ، وأحسن مقيلا استرواحا .
--> ( 1 ) قال ابن عجيبة : لا تمدن عينيك إلى شهود الحس ، ولا إلى ما متعنا به أصنافا من أهل الحس ، الواققين مع شهود الحس ؛ فإن ذلك يحجبك عن شهود المعاني القائمة بالأواني ، بل المفنية للأواني عند سطوع المعاني ، ولا تحزن عليهم حيث رأيتهم منهمكين في الحس ؛ فإن قيام عالم الحكمة لا يكون إلا بوجود أهل الحس ، واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين بخصوصيتك ، البحر المديد ( 3 / 242 ) .